أحمد بن محمد المقري التلمساني

63

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

هذه البلاد الأندلسية التي خلص لله انفرادها وانقطاعها ، وتمحّض « 1 » - لأن تكون كلمة اللّه هي العليا - قراعها ، وصدق مصالها في سبيله جلّ وعلا ومصاعها ، إلى ما يمهّد أرجاءها ، ويحقّق رجاءها ، من سلم يعقد ، ولا يعدم الحزم معه ولا يفقد ، وعطاء ينقد ، ورأي لا يتعقّب ولا ينقد ، وحرب تضمّر له الجياد ، ويعتقل الأسل الميّاد « 2 » ، وكأن الجيش روض أمله الذي في جناه يسرح ، ومرمى فكره الذي عنه لا يبرح ، فديوانه ديوان أمانيه الذي تسهب فيه وتشرح ، أسهمه من سياسته أوفى الحظوظ وأسناها ، وقصر عليه لفظ العناية ومعناها ، ووقف عليه موحدها ومثناها ، فأزاح علله ، وأحيا أمله ، وأنشأ جذله « 3 » ، ورفع عنه من لم يبذل الجدّ له ، ولا أخلص للّه فيه عمله . واختار لقيادة مغانيه « 4 » المنصورة ، وإمارة غزواته المبرورة ، أقرب الناس إلى نفسه نسبا ، وأوصلهم به سببا ، وأحقّهم بالرتب المنيفة والمظاهر الشريفة ، ذاتا وأبا ، وجدّا وحسبا ، وأمره على أشرافه ، ودلّ به الأنفال على أعرافه ، وصرف إليه آماله ، واستعمل في أسنّته يمينه وفي أعنّته شماله ، وعقد عليه ألويته الخافقة لعزّة نصره ، ورأى الظهور على أعداء اللّه تعالى جنّى فهيّأه لهصره « 5 » ، وأدار هالة قتام الجهاد عن قرب بالولادة على بدره ، ونبّه نفوس المسلمين على جلالة قدره ، وقدّمه على الكتيبة الثانية من عسكر الغزاة المشتملة على الأشياخ من أولاد يعقوب كبار بني مرين ، وسائر قبائلهم المكرمين ، وغيرهم من القبائل المحترمين ، ينوب عن أمره في عرض مسائلهم ، وقرى وافدهم ، وإجراء عوائدهم ، تقديما تهلّل له الإسلام واستبشر ، وتيقّن الظفر فاستبصر ، لما علم بمن استنصر ، فليخلصوا له في طاعته الكبرى الطاعة ، وليعلقوا ببنان نداه بنان الطماعة ، ويؤملوا على يديه نجح الوسيلة إلى مقامه والشفاعة ، ويعلموا أنّ اختصاصهم به هو العنوان على رفع محالّهم لديه ، وعزّة شأنهم عليه ، فلو وجد هضبة أعلى لرفعها « 6 » لهم وأعلاها « 7 » ، أو عزة أعزّ لجلالها ، أو قبلة أزكى لصرف وجوههم شطرها « 8 » وولاها ، حتى تجنى ثمرة هذا القصد ، وتعود بالسعد حركة هذا

--> ( 1 ) تمحض : خلص . ( 2 ) الأسل : الرماح . والميادة : أراد بها اللينة الهز ، واعتقل الرمح : جعله بين ركابه وساقه . ( 3 ) جذله : فرحه . ( 4 ) في ب « مقانبه المنصورة » . ( 5 ) الجنى : الثمر الذي حان قطافه ، وهصره : مصدر من هصر الغصن ، إذا أماله ليجني ثمره . ( 6 ) في ب « لفزعها » . ( 7 ) في ب « وعلاها » . ( 8 ) أخذ هذه الفقرة من قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : 144 - 149 - 105 ] .